بيني وبينك
السجين الذي كان يحاورني داخل الزنزانة استنكر علي إعجابي بلوحة مرسومة على جدارها القذر
الإنسان كالحمار يحمل أثقالا ويمضي تحت وطأة السياط، ذاك هو مضمون اللوحة المرسومة على الجدار
الزنزانة تفوح منها رائحة عفن ونتن وتبعث على الغثيان
السجين المحاور لي يشبه الوطن الذي ينوء بعقل جمعي ضبابي اختلط فيه الفكر الأصيل والهجين معا، ولم يعد ثمة تمييز بين عقل سليم وآخر سقيم معوج
في محاولة مني وضع اليد على مشكلة عدم التمييز بين الأصيل والهجين في تلك المشكلة التي ساهم الأدب والفن المعاصر في تشكيلها والتكريس لها، قلت للسجين:
منذ أمد بعيد وأهل الفن والأدب يعبرون عن سخطهم ورفضهم لأوضاع لم تعجبهم وتغتال حريتهم، يعبرون عنها برمزية وتورية ومقاربات تحصنهم من مساءلات محتملة لرجال الأمن
نظر إلي السجين نظرة فيها الكثير من التساؤلات، عرفت من خلالها أنه يبحث عن مزيد من مثل هذا الكلام الذي يكشف عن حقيقة العلاقة الجدلية بين فن وأدب يفترض فيهما أن يكونا على تسام ورقي بالإنسان وأخلاقياته؛ لكنهما على أرض الواقع تجدهما مجرد طلاسم واحجيات ومقاربات تشتت الذهن وتزكي في الإنسان الخوف والخور وروح الانهزام
ولقد غدا إنسان اليوم - بسبب الفن والأدب السائدين- غير قادر على وضع توليفة لحياته تمتاز بتقنية وعبقرية واحتراف
قلت للسجين:
في بيئة تسيطر عليها قوة غاشمة، فإنه يصعب على الأدب والفن في تلك البيئة خلق أجواء مبهرة من تألق وعطاء طيب
هنا وجدها السجين فرصة له يؤكد من خلالها جمالية حوارات كهذه في التوطئة لتشكيل عقل جمعي من ذهب عيار24 يستعيد به الإنسان آليات التأصيل لإنسانيته، قال:
وإذن: تلك اللوحة باعتبارها منتج فني معاصر، تمثل من وجهة نظرك تحفة فنية تحرض على ثورة ضد الذل ولكن بطريقة التضمين، بينما هي من وجهة نظري تمثل تكريسا لمجتمع خوار يمضي كالحمار تحت وقع السياط ولا يستغل مواقع القوة في بنيانه
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس183

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق