صهوة السبات
×××××××××
كان «زِرياب» جثة بلا روح، ملقاة على أريكة وثيرة في صالون شبه مظلم، لا يضيء عتمته سوى التوهج الأزرق البارد المنبعث من شاشة هاتفه الذكي. كانت المدينة خارجه تئن تحت وطأة أزمات اقتصادية خانقة، وتتقاذفها أمواج التحديات الوجودية، لكنه كان يعيش في عوالم موازية، مستغرقاً في متابعة معركة طاحنة دارت رحاها على منصات التواصل بين اثنين من مشاهير التفاهة حول لون حذاء أو تفصيلة فارغة من محتوى.
كان الملايين مثله؛ يحرسون فراغهم اليقظ، ويضخون الملايين من ساعات أعمارهم في وعاء العبث، ليصنعوا من لا شيء نجومًا وأيقونات تُعبَد رمزيًا.
في تلك اللحظة، رن هاتفه؛ فإذا هي رسالة من صديقه القديم «يوسف »، الباحث العقلاني المتبحر في الفكر والفلسفة والتاريخ، والذي كان يصارع طواحين الهواء محاولا تفكيك الخلل المزمن من جذوره. حملت الرسالة مقالاً عميقًا يتساءل بجرأة عن موروثات بالية وثوابت اجتماعية جامدة.
شعر زرياب بكهرباء تسري في ناصيته، لا إعجابًا بل ذعرًا! فالعقل الجمعي الذي يغض الطرف عن كل مائع ومبتذل، تحول فجأة إلى "مقصلة أخلاقية " مرعبة. هب زرياب واقفًا، وكأنه يواجه شبحًا، وبأصابع مرتعشة كتب ردًا قاسيًا، متهمًا صديقه بالزندقة الفكرية والتشكيك في الثوابت، مستلًّا سيف الوصاية الذي لا ينحني إلا أمام النور وحده.
لم تكن تلك المأساة مجرد حالة فردية، بل كانت مرآةً لثقافة بأكملها أدمنت "التخدير الذاتي ". مجتمع يهرب من مواجهة وحوش واقعه الحقيقي الثقيل بأن يشرب من خمرة العبث والسطحية حتى الثمالة، فإذا ما اقترب أحدٌ من أبراج ظلاله ليهزها بسؤال حر أو فكرة واعية، استنفر أسوار الجهل بشراسة حديدية، ليظل الحرس القديم للزيف نائمًا في كنف الخدر، وليبقى السؤال الحر جريمة لا تُغفر.
وكُتب في أسفل الذاكرة الجمعية لتلك الليلة: نحن لا نخشى الموت جوعًا.. نحن نخشى أن نُوقظ فنعيش!
د. عبدالكريم أحمد علي الفقيه




