"بِلَادِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ ..."
خَرَجَ "صَابِرٌ" مِنْ بَابِ الجَامِعَةِ وَفِي يَدِهِ شَهَادَةُ الأُسْتَاذِيَّةِ كَمَنْ يَخْرُجُ مِنَ المَعْبَدِ وَفِي يَدِهِ صَكُّ غُفْرَانٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْرَؤُهُ. انْتَظَرَ الانْتِدَابَ فِي المَقَاهِي وَفِي طَوَابِيرِ الإِدَارَةِ عَاماً بَعْدَ عَامٍ، حَتَّى أَكَلَ الصَّدَأُ حَوَاشِيَ الشَّهَادَةِ وَأَكَلَ اليَأْسُ قَلْبَهُ. فَعَادَ إِلَى قَرْيَتِهِ فِي الرِّيفِ التُّونِسِيِّ الهَادِئِ، حَيْثُ يَتَنَفَّسُ التُّرَابُ بُطْئاً وَيَتَنَفَّسُ النَّاسُ ضِيقاً.
أَصْبَحَ يَصْحُو مَعَ صِيَاحِ الدِّيكِ فَيَسُوقُ الغَنَمَ إِلَى المَرَاعِي اليَابِسَةِ، وَيَحْمِلُ الأَوْعِيَةَ البِلَاسْتِيكِيَّةَ عَلَى ظَهْرِ حِمَارٍ أَشْيَبَ إِلَى البِئْرِ القَدِيمِ لِيَجْلِبَ المَاءَ لِعَائِلَتِهِ وَلِحَيَوَانَاتِهِ العَطَاشَى. كَانَ الحِمَارُ يَمْشِي مُتَثَاقِلاً كَأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ كُلَّ أَوْجَاعِ الرِّيفِ. وَفِي المَوْسِمِ سَاعَدَ فِي حِرَاثَةِ الأَرْضِ وَزَرْعِهَا وَحَصَادِ مُنْتُوجِهَا مِنْ سَنَابِلِ القَمْحِ وَالشَّعِيرِ، وَفَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مَا تَعَلَّمَهُ. وَفِي اللَّيَالِي كَانَ يَجْلِسُ وَحْدَهُ وَيَتَذَكَّرُ "فَاتِنَ" ابْنَةَ الجِيرَانِ الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ السِّيَاجِ وَتَبْتَسِمُ. تَقَدَّمَ لَهَا أَبَوَاهُ، فَرَدَّ أَبُوهَا بِبَرُودٍ: "الشَّابُّ بِلَا عَمَلٍ". وَبَعْدَ أَشْهُرٍ سَمِعَ "صَابِرٌ" زَغَارِيدَ عُرْسِ مَنْ أَحَبَّهَا قَلْبُهُ، حَيْثُ زُفَّتْ مُكْرَهَةً إِلَى ابْنِ عَمِّهَا "الفَاتِحِ". فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَهِمَ أَنَّ الفَقْرَ لَيْسَ عَوَزَ مَالٍ فَقَطْ، بَلْ عَوَزَ كَرَامَةٍ.
وَفِي يَوْمٍ ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ، قَرَّرَ أَنْ يَهْجُرَ. لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ جَنَّةٍ، بَلْ كَانَ يَهْرُبُ مِنْ جَحِيمٍ. دَفَعَ كُلَّ مَا ادَّخَرَهُ لِسَمَاسِرَةِ "الحَرْقَةِ"، وَرَكِبَ مَعَ ثَلَاثِينَ وَجْهاً مَذْعُوراً زَوْرَقاً مَطَّاطِيّاً يَتَمَايَلُ عَلَى ظَهْرِ البَحْرِ كَوَرَقَةٍ. كَانَ المَوْجُ جَبَلاً وَالرِّيحُ سَوْطاً، وَكَانَ الخَوْفُ هُوَ القَائِدَ الوَحِيدَ. بَعْدَ لَيْلَةٍ عَصِيبَةٍ مَرُّوا فِيهَا عَلَى كَافَّةِ المَوْتِ، رَأَوْا أَضْوَاءَ "لَامْبِيدُوزَا" فَظَنُّوهَا نُجُوماً نَزَلَتْ إِلَى الأَرْضِ.
لَكِنَّ الأَرْضَ المَوْعُودَةَ كَانَتْ أَرْضَ قَضَاءٍ. مَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ الرَّصِيفَ حَتَّى أُحِيطَ بِهِ رِجَالُ الشُّرْطَةِ. سِجْنٌ بَارِدٌ، وَأَسْئِلَةٌ بَارِدَةٌ، وَنَظَرَاتٌ أَبْرَدُ. وَعِنْدَمَا خَرَجَ بِوَرَقَةٍ لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي، طَرَقَ أَبْوَابَ العَمَلِ فَوَجَدَهَا مُوصَدَةً فِي وَجْهِ لَوْنِ بَشَرَتِهِ وَاسْمِهِ الغَرِيبِ. الجُوعُ كَانَ أَشَدَّ مِنَ القَانُونِ، فَانْزَلَقَ إِلَى عَمَلِ تَرْوِيجِ المُخَدِّرَاتِ. كَانَ يَبِيعُ المَوْتَ لِغَيْرِهِ لِيَشْتَرِيَ الحَيَاةَ لِنَفْسِهِ. وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَادَ إِلَى السِّجْنِ.
فِي إِيطَالِيَا لَمْ يَجِدِ الحُلْمَ الَّذِي رَسَمَهُ عَلَى جِدَارِ الغُرْفَةِ فِي تُونِسَ. وَجَدَ البَرْدَ يَأْكُلُ عِظَامَهُ تَحْتَ القَنَاطِرِ، وَوَجَدَ الشَّتَائِمَ فِي الطُّرُقَاتِ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ يَنَامُ مَعَ الفِئْرَانِ خَوْفاً مِنَ المَطَرِ. كَانَ يَقُولُ فِي سِرِّهِ: "أَهَذِهِ هِيَ البِلَادُ الَّتِي كُنَّا نَرْسُمُهَا حُلْماً فِي خَيَالِنَا؟".
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي وَهُوَ فِي الزِّنْزَانَةِ، وَالسُّكُونُ يَثْقُلُ عَلَى صَدْرِهِ، قَفَزَ إِلَى ذِهْنِهِ صَوْتُ جَدِّهِ وَهُوَ يُرَدِّدُ: "بِلَادِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ... وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ". فَانْهَارَ بَاكِياً. وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ رِسَالَةً إِلَى أَبَوَيْهِ بِحِبْرٍ مَمْزُوجٍ بِالدَّمْعِ: "أُمِّي وَأَبِي... إِنَّنِي هُنَا أَمُوتُ بَطِيئاً. لَا عَمَلَ وَلَا بَيْتَ وَلَا اسْمَ. اشْتَقْتُ إِلَى رَائِحَةِ الخُبْزِ فِي فُرْنِكُمْ، وَإِلَى صَوْتِ المَاءِ فِي البِئْرِ، وَإِلَى تُرَابِكُمْ، وَإِلَى نِعَاجِي. سَامِحَانِي. قَدْ قَرَّرْتُ العَوْدَةَ. العَوْدَةَ الأَخِيرَةَ. الغُرْبَةُ... دُونَهَا المَوْتُ... وَطَنِي... حَتَّى فِي الخُلْدِ".
خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ وَاشْتَغَلَ غَاسِلَ صُحُونٍ فِي مَطْعَمٍ نَائِيٍ. كَانَ يَعْمَلُ سِتَّ عَشْرَةَ سَاعَةً وَيَنَامُ أَرْبَعاً وَيَدَّخِرُ البَاقِي. وَعِنْدَمَا اكْتَمَلَ ثَمَنُ التَّذْكَرَةِ، حَجَزَ فِي أَوَّلِ طَائِرَةٍ.
وَفِي مَطَارِ تُونِسَ، وَمَا إِنْ لَمَسَتْ قَدَمَاهُ الأَرْضَ، حَتَّى جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. سَجَدَ لِلأَرْضِ وَقَبَّلَهَا كَمَنْ يُقَبِّلُ يَدَ أُمٍّ غَابَ عَنْهَا عُمُراً. ثُمَّ قَامَ وَمَشَى مُتَعَثِّراً نَحْوَ العَلَمِ التُّونِسِيِّ المَرْفُوعِ بِجَانِبِ المَمَرِّ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَبَّلَهُ بِحَرَارَةٍ.
وَعِنْدَهَا أَدْرَكَ "صَابِرٌ" الحَقِيقَةَ الَّتِي تَأَخَّرَتْ: أَنَّ الوَطَنَ لَيْسَ وَظِيفَةً وَلَا زَوَاجاً وَلَا مَالاً. الوَطَنُ هُوَ المَكَانُ الَّذِي تَبْكِي عَلَيْهِ إِذَا غِبْتَ، وَتَسْجُدُ لَهُ إِذَا عُدْتَ. هُوَ الجُرْحُ الَّذِي نُحِبُّهُ، وَالحُضْنُ الَّذِي نَرْجِعُ إِلَيْهِ. قَدْ يَجُورُ، وَقَدْ يَضِنُّ أَهْلُهُ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى العِزَّ وَالكَرَمَ، لِأَنَّهُ القِطْعَةُ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى، وَالَّتِي نَحْمِلُهَا مَعَنَا... حَتَّى فِي الخُلْدِ.
_انتهت_
الكَيْلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوستَة
كَاتِبٌ وَمفكر تُونِسِيٌّ






