اللقاء الثاني عشر(البيوت المهجورة)....بقلم الكاتب سالم غنيم


 اللقاء الثاني عشر: البيوت المهجورة... لماذا نخاف من الأماكن الفارغة؟

الحكواتي:

صباح الخير يا سالم...

في اللقاء السابق تحدثنا عن لعنة المكان، وعن العلاقة بين الذاكرة الإنسانية والأماكن التي تحمل قصصًا مؤلمة أو غامضة. واليوم نقترب أكثر من نوع خاص من الأماكن... البيوت المهجورة.

سالم غنيم:

صباح النور أيها الحكواتي...

البيت المهجور من أكثر الرموز حضورًا في خيال الإنسان. فهو ليس مجرد بناء فارغ، بل مكان كان يومًا مليئًا بالحياة؛ أصوات، ووجوه، وذكريات، ثم أصبح صامتًا. وربما لهذا الصمت قدرة كبيرة على إثارة الخيال.

الحكواتي:

لماذا يخيفنا البيت الفارغ أكثر من البيت المأهول؟

سالم غنيم:

لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن الحياة والحركة. عندما يدخل مكانًا مهجورًا، يواجه فراغًا لا يعرف قصته كاملة. والفراغ يترك مساحة واسعة للخيال. نحن غالبًا لا نخاف مما نعرفه، بل مما لا نعرفه.

الحكواتي:

ولهذا ارتبطت البيوت المهجورة في القصص بالأشباح والأسرار؟

سالم غنيم:

نعم... فالبيت المهجور يشبه صفحة قديمة لم تُقرأ. كل شيء فيه يطرح سؤالًا: لماذا تُرك؟ من كان يعيش هنا؟ ماذا حدث لأهله؟ هذه الأسئلة تصنع القصة قبل أن نعرف الحقيقة.

الحكواتي:

لكن هناك من يؤكد أنه سمع أصواتًا أو رأى أشياء غريبة في مثل هذه الأماكن.

سالم غنيم:

علينا أن نفرق بين التجربة وتفسيرها. قد يسمع الإنسان أصواتًا حقيقية؛ مثل حركة الرياح، أو تمدد الخشب، أو أصوات الحيوانات الصغيرة، أو تغيرات في المبنى. لكن العقل عندما يدخل مكانًا مرتبطًا بالخوف يكون مستعدًا لتفسير هذه الأصوات بطريقة مختلفة.

الحكواتي:

إذن الخوف يشارك في صناعة الصورة التي نراها؟

سالم غنيم:

بشكل كبير. فالدماغ لا يعمل ككاميرا فقط، بل يفسر المعلومات بناءً على توقعاتنا ومشاعرنا. إذا دخل شخص بيتًا مهجورًا وهو مقتنع بأنه مكان مخيف، فقد يصبح أكثر انتباهًا لأي علامة تؤكد خوفه.

الحكواتي:

وهل للقصص الشعبية دور في ذلك؟

سالم غنيم:

بالتأكيد. فالمجتمعات تصنع حول بعض الأماكن حكايات تنتقل من جيل إلى جيل. ومع مرور الزمن تصبح الحكاية أقوى من الحقيقة أحيانًا. وقد يتحول بيت عادي إلى أسطورة بسبب قصة واحدة.

الحكواتي:

لكن ألا تحمل البيوت المهجورة جانبًا فلسفيًا أيضًا؟

سالم غنيم:

بلى... فهي تذكرنا بفكرة الزمن. البيت الذي كان يومًا مليئًا بالحياة يصبح صامتًا، وكأنه يقول لنا إن كل شيء يتغير. الجدران تبقى، لكن الإنسان يرحل، وتبقى الذكريات تبحث عن من يحملها.

الحكواتي:

كأن البيت المهجور ليس مكانًا بلا حياة، بل مكانًا يحمل آثار حياة قديمة.

سالم غنيم:

وهذا هو سر جاذبيته. فالإنسان لا ينجذب إلى الفراغ فقط، بل إلى ما يخفيه الفراغ. نحن نريد أن نعرف القصة التي وراء الصمت.

الحكواتي:

إذن الخوف من البيوت المهجورة ليس خوفًا من الحجارة، بل من الأسئلة التي تخرج من بين الحجارة.

سالم غنيم:

نعم... فالبيت المهجور مرآة للإنسان نفسه. يكشف خوفه من الفقد، ومن الزمن، ومن المجهول.

الحكواتي:

وفي نهاية اللقاء نقول:

بعض البيوت لا تسكنها الأشباح... بل تسكنها الحكايات.

سالم غنيم:

فالإنسان عندما يترك مكانًا، قد يغادره بجسده، لكنه يترك خلفه شيئًا من روحه في ذاكرة من يأتي بعده.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللقاء الثاني عشر(البيوت المهجورة)....بقلم الكاتب سالم غنيم

 اللقاء الثاني عشر: البيوت المهجورة... لماذا نخاف من الأماكن الفارغة؟ الحكواتي: صباح الخير يا سالم... في اللقاء السابق تحدثنا عن لعنة المكان...