الترند والعربية الفصحى :
الألفاظ العربية محصورة في علم الله لا تزيد ولا تنقص وكل لفظ منها له جذر يستمد الحياة منه ؛ وأصول اللغة العربية جذور ،واحكام ،وعلوم .
المصادر هي الجذور التي احكمت عدد ألفاظ العربية لآخر الولادة ، وألفاظ العربية تموت وتستبدل أو تنسى معانيها أو تشترك معانيها بألفاظ أخر ، ولكن ليس هو بالترادف أو الإشتراك اللفظي الحقيقي فلا يوجد مثل هذين في اللغة العربية وإنما هو يؤخذ على المجاز لمراعاة المعنى في جمالها ورونقها .
ومن الاستبدال ما هو يورث إلى الحقب التالية إلا إنه خرج من أصله ومثالا على ذلك لفظة ( أدب ) اتخذت عدة مراحل كلها اجتمعت على التوالي بلفظة الأدب فأولها كانت مأدبة الطعام ، والتحق بها المعنى الثاني فكانت الأخلاق ، ومن ثم ألحق بها المعنى الثالث فكان الشعر ، وتوالت الحقب والحق فيها معنى التربية ، واستمرت كلمة أدب بالمعاني الثلاث أو المجتمعة في الرابعة إلى يومنا هذا ولا يمكن فهم كلمة أدب حتى نلحق بها القرينة اللفظية ؛ وهذا دليل على حقيقة المعاني التي ألحقت بلفظة أدب ، ولفظة المال أيضا كلما عبرنا حقبة من الزمن أضيف إليه معنى فكان في الأول الذهب ومن بعدها النقود ومن ثم الأجر وكذلك هو المهر والنفقة وبعد ذلك الصك وبعد حقب أصبح العقار ومن ثم السند والكفالة وغيرها من الصفات ، وكلها خرجت من المعنى الحقيقي للمال ولا يمكن الاصطلاح على لفظ من عند البشر إلا ما تضيفه اللغة لنفسها لأنها وحي من الله وهذا مطبق على جميع لغات العالم ؛ فما أن للغة العربية معنى جديد أو أحييا فيها لفظ جديد إلا وأحييا في جميع اللغات الباقية لفظ مطابق لما جاء في لغتنا ليس من الجهة اللغوية ولكنه مطابق من الجهة المعنوية ؛ وهذا ما يفسر لنا الاشتراك المعنوي في جميع لغات العالم ليفسر أحدهما الآخر كما يراد.
اللغة العامية هي لغة قديمة تسير جنبا إلى جنب مع العربية الفصحى لتسرق منها الألفاظ الميتة أو الضعيفة المسماة الفصيحة دون بلاغة مثل قدام = أمامك، مغص = ألم في البطن ، برطم = تكلم في غضب ، برطل = قدم الرشوة ، كحكح تقدم في العمر ، كل هذه الألفاظ كانت بليغة فصيحة ولكن مع تقدم عمرها في اللغة مات جذرها وبقت صامدة حية إلى ماشاء الله فاصبحت فصيحة دون بلاغة ، وهذا ما جعلها سهلة الصيد للعامية فسرقت وسقطت من اللغة العربية الفصيحة ، وسقوطها كان على مراتب حتى تنتزع انتزاعا كأخواتها من الألفاظ السابقة . اللغة العامية لغة مستقلة لها كيانها وعمرها الأدبي وتطورها الزمني وهي لغة مبتذلة لا يستعملها في السابق إلا وضيع القوم من الأعراب ؛ وتسللت مسألتها اللسانية إلى المجتمع العربي الفصيح شيئا فشيئا ، وأذكر أحد وسائلها هو التعشيق في اللغة الفصيحة ومن ثم المناداة وبعد ذلك في التسهيل للأعراب الأعاجم لفهم المقصود .
اللغة العامية ليس فيها قواعد نحوية أو بلاغية وليس فيها احكام كل من له لسان يحكي بها ، ليس لمخارج الحروف صناعة ،ولا مبالاة في التقديم أو التأخير ، هي لغة اعتباطية ليس كل ما يحكى منها يفهم حتى تتبع مقصود تلك المنطقة ، وليس فيها قواعد المجاز ، وكل ما يحكى يفهم عبر طلاسم مفهومة بين الطرفين لا من قواعد أو احكام . وهذا ما يقودنا للقول إنها لغة لا يصح مقارنتها بمنزلة اللغات ولا تقربها مكانة ، فلها دركة واقفة عليها وكلما تحين حقبة من الزمن تسقط دركة ولو نظر الإنسان إلى حقب الزمن ودرس فيها العامية لفهم إنها تنزل الدرك كما يصعد الإنسان الدرج ، ويكفينا القول إنها تستعمل الميت والمتروك من الفصيح فلا يصح عودة الميت للحياة ولا المتروك تصح عودته فهو مقيد بالمعنى المتمثل بالروح .
الباحث محمد عبد الكريم الدليمي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق