من دفاتر الحضور والغياب.. بقلم الأديب والشاعر/عصام يوسف حسن

 


(من دفاترِ الحضُور والغياب)


 (1)

مِزاجُ البحرِ مُعتَدلٌ

نَوارسُهُ ..تُناغيهِ

فيرشُقها بِنَورٍ من رذاذِ الموجِ

مِغْناجاً تَفرُّ إلى الفضاءِ الرَّحبِ

ثُمَّ تعودُ حانيَةً

إلى أحضانهِ الزَّرقاءِ..تُغريها

حكاياهُ..

و رَملُ الشَّطِّ يغفو في نعومتهِ

وشُقرتهُ مواتيَةٌ..

كلَوحةٍ مُبدِعٍ تدعوهُ..كي يروي

على لَهَفاتِ صَفحتها

حكاياهُ..

ونايٌ راعِفٌ بالغيبِ

يُسْكِرُ شَجْوُهُ المبحوحُ بالذِّكرى

مسَاماتِ الصَّباحِ..

فتعكسُ الأضواءَ والألوانَ من وَجدٍ

على الدُّنيا.. مراياهُ

(2)

وتُقبلُ في طموح الماءِ

ريشةُ سيِّدِ الأعماقِ والوعدِ

ذوائِبَ أُثقِلت بالطّيبِ واللَّهفاتِ والشَّهدِ

بصمتٍ يقطعُ الأنفاسَ

تلمَسُ خشيةَ الرَّملِ

فتنفرُ من مخابِئها ..فلولُ الغيمِ بالرَّعدِ

وبرقٌ من مخابِئها..

يُضيءُ زُجاجَ نافذةٍ

يُراشِقهُ غِوى كانون بالمطرِ

عصَافيرٌ تجوبُ المنزلَ المهجورَ

أجنحةٌ تُنفِّضُ ريشها المبلولَ..في خَفَرِ

وعاشِقةٌ تُخبِّىءُوجهَها المحمومَ

في أحضان مَن تهوى

ويمتزجانِ بينَ الضَّمّ والنَّجوى

وينطفِئانِ..في دَعَةٍ طفوليَّهْ

بجانبِ مَوقِدٍ يخبو

على أنغامِ كانونَ الصَّباحيَّهْ

(3)

شحاريرٌ مُغرِّدةٌ تجوبُ السَّفحَ

شرَّدها منَ الأجمَاتِ 

فلَّاحونَ ينحدرونَ كالشّريانِ في الطُّرقِ التُّرابيَّه

إلى طاحونةِ النَّهرِ

خيولُهم تَرَنَّحُ تحت أحمالٍ منَ القمحِ

وتَحرنُ في انحدارِ الدَّربِ..من قَهْرِ

فينتَهرونَها بالرِّفقِ والإيماءْ

حِداءٌ من مواويلٍ مُقطَّعةٍ

وأشعارٍ مُحرَّفةٍ..وبعضِ دُعاءْ

يُداعِبُ سمعَ عاشقةٍ

فيَندى وجهُهاالقَمَريُّ بالحَذرِ

وعيناها تُغامِزُ رعشةَ الأضواءِ

بين تثاؤبِ الشَّجرِ

فيجذِبُها وَميضُ الحلمِ خلفَ تزاحُمِ الصُّوَرِ

إلى عينينِ..من عَسَلٍ وأحزانِ

متى ستعودُ؟!

كيف أعودُ؟..هل لي عنكِ مُرتَحلُ

وأنتِ شواطِىءٌ للرُّوحِ..

أنتِ فضاءُ أجنحتي

أُسافرُ فيكِ..أهربُ من ضَنايَ إليكِ

أنتِ النُّورُ.. والأَملُ..

فيغفو عِطرُها اللَّيليُّ مطلولاً على زَنديهِ

تَغرقُ في تَلهُّفهِ..إلى الوَجعِ

وخاضت في مياهِ النَّهرِ..وسْطَ الجَمعِ

رافِعةً ذراعيها..إلى الشَّمسِ :

أُحبُّكَ

واستدارَ الصَّحبُ..

فارتاعَت تُلملمُ ثوبَها المُبتَلَّ

تشردُ في غِمارِ الماءِ

وهيَ تُزَفُّ بالألَقِ

إلى الشَّلَّالِ واثِبةً..تُديرُ رحى المواعيدِ

مراجيحاً منَ الأحلامِ

من عيدٍ ..إلى عيدِ

ويطحنُ صَخرُها العُمْرا

ولايبقى..لهذا القلبِ

من زادٍ.. سوى الذِّكرى

(4)

ضَبابٌ زَنَّرَ الوديانَ

كالعَرَقِ الشَّهيِّ انحلَّ في مجرى عيونِ الماءِ.. كاللَّبَنِِِ

وفاضَ على البيادرِ والكرومِ

بِبوحهِ الوَسِنِ..

دَبيبُ النَّشوةِ البيضاءِ

في نَسْغِ الأزاهيرِ

وأجنحةِ العصافيرِ

وفي أنفاسِ دالِيَةٍ تُعانِقُ شُرفةَ البيتِ

إلى الآفاقِ ناشرةً ضفائرها

بكُلِّ ضَراعةِ الصَّمتِ..

وعبرَ غشاوة الشُّبّاكِ يرقبها مُحبَّانِ

تعانقَ منهما الكفَّان..والكَتِفان ..والقلبُ

تقول : العمرُ لا يكفي ..وإن طالا

لِأَروي من هواكَ دمي

أخافُ أفيقُ في صحراءِ بُعدِكَ

دونَ أخبارِ..

ولا مائي .. ولا ناري !! 

أخافُ تفرُّ من حضني..بلا أَثَرِ

ضباباً ..قد جلاهُ الصَّحوُ

نَشوةَ خمرةٍ رفَّت ..على أغصانيَ الوَلهى

مساءَ الشوقِ ..واغتيلت معَ السّحَرِ

أخافُ ...ويرتمي دمعٌ

على الخَدَّينِ..في وَجَلِ

فيحضُنها..ويُغرِقُ وجهَها المخضوبَ

بالضَّحِكاتِ والقُبَلِ

ويُشعلُ في شِفاهِ الوردِ

ما يُغني ..عنِ الجَدَلِ

(5)

أُحاولُ أن أعيشَ العُمرَ

لحناً في أغانيهِ

بريئاً في غَرارتهِ..سِراجاً في لياليهِ

يضوعُ الحُبُّ من قلبي

بخوراً يُبهجُ الأرواحَ..صافيهِ وحانيهِ

أُحاولُ أن أعيشَ بمَنطقِ الرَّيحانِ

مشغولاً بخُضرتهِ..

يُعطِّرُ كُلَّ عابرةٍ..من النَّسماتِ والأطيارِ والنَّحلِ

سعيداً في تَفانيهِ

بعيداً في مراميهِ

ولايخشى الفصولَ الصُّفرَ إن حَلَّت بِنَاديهِ

ولاتُشقيهِ أسئلةٌ :

إلامَ يصيرُ إن يَبسا؟

سليمَ القلبِ..سَمْحَ الرُّوحِ

غنَّى الكونُ.. أم عَبسا

ذُبولُ الحلم في أوراقهِ الخضراءِ

ليسَ يُعيدُ أنكيدو الذي غابا

وهذا البارِدُ المحمولُ في أَسَفِ ..

على الكَتِفِ

رداءٌ كانَ يَلبٍسهُ..وأَبلَتْهُ المقاديرُ

سيرجعُ بعد أيَّامٍ..

تراباً ناعما تُطميهِ أوحالُ السُّيولِ الحُمرِ

تذروهُ الأعاصيرُ

ويَنبتُ نرجسٌ في الظّلِّ

من عينيهِ.. مغرورُ

أمامَكَ كُلُّ ما ضيَّعتَ..ياجلجامشَ المُضنى

فَجدَّ السَّيرَ كي تلقاهُ

أو حرِّرهُ كي يلقاكَ

وامْسَح عينَكَ الوسنى

فليسَ لِنوحِكَ المهزومِ

أو لِعنادِكَ الضِّلِّيلِ

من جَدوى..ولا مَعنى

(6)

ومَن يدري؟! فقد يأتي

ولكن دونما وقتٍ..ولا سَمْتِ

فلا تُشعِلْ سراجاً لانتظارِكَ ..خارجَ القلبِ

وَهَب قدَميكَ للدَّربِ

وكُن بَصراً..وكُن سَمعاً لِشوقِكَ

حيثما قَذَفت بكَ السُّبُلُ

ببهجةِ عارِفٍ يحدو..نَقيَّ وَجيبهِ الأمَلُ

فقد يأتي ..كما يهوى

رُؤىً في رعشةِ النُّورِ

وفي أنفاسِ زَنبَقةٍ..وفي تغريدِ عُصفورِ

وقد يأتي كما كانا

نَديَّ الثَّغر مُبتسِما..

وحينَ تراهُ..لن ترتابَ

كُلُّ خَليَّةٍ سَتبوحُ..بالسِّرِّ الذي كُتِما

وتُفلتُ من مدارِ القلبِ

كُلُّ كواكبِ الأفلاكِ..تَختلُّ المواعيدُ

وتنسدِلُ السَّتائِرُ في مداكَ

وينطوي الزَّمنُ

فتومِضُ من دُجى عينيهِ

نَشوةُ رُوحِكَ الظَّمأى

سَتعرِفُها...

وإنْ حَجبَت فُضولَ حُبابِها المِغناجِ

آنيَةٌ..وأقداحُ

سَتعرِفُها...يَقيناً

إنَّها..الرَّاحُ

(7)

وسَادَ الصَّمتُ..

وامتصَّ السُّكُونُ حرارةَ الأكوانِ

أصداءٌ .. يُرَنِّقُها الخُشوعُ

وجَرْسُ أُغنيةٍ ..يُحاذِرُ أن يَضوعَ

ونَسمةٌ حَيرى..تُخبِّىءُ 

بينَ أهدابِ الصَّنَوبرِ..نبضَها

هذا أوانُ الثَّلجِ..

وانْداحَ البَياضُ على السُّفوحِ

وفي المَعابِرِ ..في فَمِ الوادي

وغَطَّى.. كُلَّ ما يُلقى على النّظَرِ

سوى عينينِ.. سوداوَينِ

تَختلِجانِ..في خَدَرِ..لِعاشِقةٍ..

تُداوي دَمعةً كالجَمرِ

تَحفِرُ في طَريِّ الثّلجِ.. مجراها

نَشيجٌ دافِىءٌ ينمو..

على شَفَتينِ ..يابِستينِ

مِثلَ النَّرجسِ البَريِّ..فوقَ الصَّخرةِ البيضاءِ

قُربَ البيتِ..يَنبعُ من حَناياها

تُهَدهِدُهُ.. على قيثارةِ..القلبِ

عنِ المصلوبِ..فوقَ الجذعِ..

والمَنذورِ ..للدَّربِ

وعَن عَينينِ من عَسَلِ

بِرغمِ الموتِ..بارِقَتينِ بالأَمَلِ

وجَفْنٍ..ليسَ يَنطَبِقُ 

تَسَمَّرَ فوقهُ الشَّفقُ..

أميرٌ ..من بلادِ الرِّيحِ

حِليَةُ مَهدِهَ ثَلجٌ

وشاهِدُ قبرهِ ..ثَلجُ

وبينَهُما.. شموعٌ راعِشاتٌ هدَّها السَّهَرُ

وروحٌ..في احتضارِ الضَّوءِ

تَبكيهِ..وتَنتظِرُ

(8)

 مِزاجُ البحرِ مُعتَدلٌ

نَوارسُهُ ..تُناغيهِ

فيرشُقها بِنَورٍ من رذاذِ الموجِ

مِغْناجاً تَفرُّ إلى الفضاءِ الرَّحبِ

ثُمَّ تعودُ حانيَةً

إلى أحضانهِ الزَّرقاءِ..تُغريها

حكاياهُ..

و رَملُ الشَّطِّ يغفو في نعومتهِ

وشُقرتهُ مواتيَةٌ..

كلَوحةٍ مُبدِعٍ تدعوهُ..كي يروي

على لَهَفاتِ صَفحتها

حكاياهُ..

ونايٌ راعِفٌ بالغيبِ

يُسْكِرُ شَجْوُهُ المبحوحُ بالذِّكرى

مسَاماتِ الصَّباحِ..

فتعكسُ الأضواءَ والألوانَ من وَجدٍ

على الدُّنيا....  مراياهُ


... 

عصام يوسف حسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حرف الوداع بكاء....بقلم الشاعر قسطة مرزوقة

 "حرف الوداع بكاء" وَحرفٌ يُعانقُ الوَلَه لَهفُ النبضِ دلله يُصبحُ في اِبتسامة وعلى الجفنِ العلامة الحلمُ قد أسعدَ ليْلاه والمساءُ...