وهم غيداء
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَخَذَتْ "غَيْدَاءُ" الَّتِي شُغِفَتْ بِحُبِّ زَمِيلِهَا، وَأَخَذَتْ تُفَكِّرُ وَتَسْأَلُ نَفْسَهَا...
هَلِ الإِنْسَانُ يَعْلَمُ مَا تُخْفِيهِ الأَيَّامُ؟
فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: *بِالطَّبْعِ... لَا
ثُمَّ سَكَتَتْ بُرْهَةً، وَقَالَتْ فِي سِرِّهَا:
وَهَلْ أَنَا أَسْتَطِيعُ مَعْرِفَةَ حَيَاتِي القَادِمَةَ؟
بِالطَّبْعِ لَا
ثُمَّ تَحَرَّكَتْ وَئِيداً، وَاتَّكَأَتْ عَلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ، فَأَخَذَتْ تُنَاجِي رَبَّهَا قَائِلَةً:
يَا رَبِّي... أَنَا مِنْ أُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ، وَأَنَا بَسِيطَةُ الحَالِ.
أُعْجِبْتُ بِزَمِيلِي "ضِيَاءَ" وَكُلِّفْتُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أُسْرَةٍ ثَرِيَّةٍ جِدًّا.
وَكُنْتُ أَتَحَدَّثُ مَعَهُ أَطْرَافَ الحَدِيثِ... وَكَانَتْ تَغْمُرُنِي كُلُّ السَّعَادَةِ.
وَقَدْ أَحْسَسْتُ بِالأَمَلِ، وَالدُّنْيَا قَدِ ابْتَسَمَتْ لِي.
وَبَعْدَ انْتِهَاءِ العَامِ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ الَّتِي تَبْعُدُ عَنْ بَلَدِهَا بِحَوَالِي ثَلَاثِمِائَةِ كِيلُو.
فَأَحَسَّتْ بِشَوْقٍ إِلَيْهِ، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ عُنْوَاناً وَلَا رَقْمَ هَاتِفٍ.
فَاشْتَدَّ لَهِيبُ شَوْقِهَا إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ تُفَكِّرُ وَتُفَكِّرُ.
فَذَهَبَتْ إِلَى الكُلِّيَّةِ وَطَلَبَتْ مِنْ مُسَجِّلِ الكُلِّيَّةِ أَنْ يُعْطِيَهَا عُنْوَانَهُ.
فَرَفَضَ أَنْ يُعْطِيَهَا فِي البِدَايَةِ، وَبَعْدَ إِلْحَاحٍ شَدِيدٍ أَعْطَى لَهَا رَقْمَ الهَاتِفِ.
فَاتَّصَلَتْ بِهِ هَاتِفِيًّا، وَدَارَ الحَدِيثُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ:
"إِنِّي أُحِبُّكَ فَوْقَ أَرْضٍ جَلِيدٍ،
وَفَوْقَ أَمْوَاجِ البِحَارِ،
تَحْتَ عَصْفِ الرِّيَاحِ،
وَفَوْقَ قَفْرٍ وَفَوْقَ نَهْرٍ...
أَنْتَ لَا أُرِيدُ سِوَاكَ"
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ بِلَهْفَةٍ مِثْلَهَا، كَأَنَّهُ فِي وَادٍ آخَرَ...
وَلَكِنَّهَا تَجَاهَلَتْ كُلَّ ذَلِكَ، وَتَوَهَّمَتْ أَنَّهُ يُحِبُّهَا.
وَإِنَّهُ لَمْ يُغَازِلْهَا غَزَلَ العُشَّاقِ وَأَهْلِ الشَّوْقِ؛ رُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُ أَقَارِبِهِ بِجِوَارِهِ فَامْتَنَعَ عَنْ كَلَامِ الغَزَلِ.
وَمَضَتْ تَتَّصِلُ بِهِ... تَارَةً يَرُدُّ، وَمَرَّاتٍ لَا يَرُدُّ.
وَهِيَ تُحِبُّهُ حُبًّا أَعْمَى.
وَانْتَهَتِ الإِجَازَةُ، وَعَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى الجَامِعَةِ،
وَكَانَا يَلْتَقِيَانِ قَبْلَ كُلِّ مُحَاضَرَةٍ.
فَهِيَ مُغْرَمَةٌ بِهِ جِدًّا، جُنُونًا،
وَهُوَ لَا يَعْنِيهِ حُبُّهَا لَهُ، وَقَلْبُهُ لَمْ يَنْبِضْ لَهَا.
وَفِي الأُسْبُوعِ الثَّالِثِ مِنَ الدِّرَاسَةِ، كَانَ "ضِيَاءُ" وَ "غَيْدَاءُ" أَمَامَ المُدَرَّجِ.
وَأَثْنَاءَ وُقُوفِهِمَا حَدَثَتْ مُشَادَّةٌ بَيْنَ بَعْضِ الطُّلَّابِ،
فَأَعْطَى أَجِنْدَتَهُ لِغَيْدَاءَ، وَاتَّجَهَ نَحْوَ الطُّلَّابِ لِيَنْهِيَ المُشَادَّةَ وَالمُشْكِلَةَ.
وَغَيْدَاءُ بِيَدِهَا الأَجِنْدَةُ... فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهَا،
فَخَرَجَتْ مِنْهَا صُورَةٌ لِفَتَاةٍ جَمِيلَةٍ مَعَ "ضِيَاءَ".
ثُمَّ تَصَفَّحَتِ الأَجِنْدَةَ، فَوَجَدَتِ الطَّامَّةَ الكُبْرَى:
أَنَّهُ مُدَوِّنٌ الكَثِيرَ مِنَ الأَشْعَارِ... غَزَلاً وَحُبًّا وَغَرَامًا فِي مَحْبُوبَتِهِ،
وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ.
بقلم كمال الدين حسين القاضي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق